Ads 160x600
Ads 160x600
الرئيسية / / آراء / قرار مجلس الأمن بشأن المينورسو.. نهاية مرحلة أم بداية تحول في مسار قضية الصحراء المغربية؟

قرار مجلس الأمن بشأن المينورسو.. نهاية مرحلة أم بداية تحول في مسار قضية الصحراء المغربية؟

كيوسك أنفو 01 نوفمبر 2026 - 10:01 آراء

خالد الشرقاوي السموني

يشكل التطور الذي عرفه ملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن الدولي يوم 30 أكتوبر 2026 منعطفا سياسيا ودبلوماسيا بالغ الأهمية، بالنظر إلى ما يحمله عدم تمديد ولاية بعثة المينورسو من دلالات وتداعيات على مستقبل المسار الأممي للنزاع. فبعد خمسة وثلاثين عاما من حضور البعثة الأممية في الأقاليم الجنوبية، يجد الملف نفسه أمام مرحلة جديدة تفرض إنتاج تسوية سياسية نهائية.

إن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في مسألة استمرار البعثة أو انتهاء مهمتها، وإنما في الرسائل السياسية التي يحملها قرار مجلس الأمن، وفي ما يمكن أن يترتب عنه من تحولات في آليات التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية. فاستمرار المسار الأممي لعقود طويلة، جعل من الضروري التساؤل حول جدوى الإبقاء على آليات تدبيرية لم تعد قادرة على تجاوز حالة الجمود التي طبعت هذا الملف.

 

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى عدم تمديد ولاية المينورسو باعتباره مؤشرا على دخول القضية مرحلة مختلفة، تتجاوز منطق إدارة النزاع إلى البحث عن مقاربة أكثر ارتباطا بالواقع السياسي والدبلوماسي تفضي إلى حل سياسي نهائي للنزاع ، خصوصا في ظل تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها أرضية جدية وواقعية لتسوية هذا النزاع الإقليمي.

 

غير أن القراءة الموضوعية لهذا التطور تقتضي التمييز بين عدم تمديد ولاية بعثة أممية وبين الحسم النهائي في الوضع القانوني والسياسي للنزاع. فهما مسألتان مختلفتان، ولا يعني انتهاء مهمة المينورسو، في حد ذاته، أن جميع أبعاد القضية قد حُسمت، أو أن الملف أصبح خارج اختصاصات الأمم المتحدة بصورة تلقائية. فذلك يظل مرتبطا بمساطر وقرارات أممية واضحة، وبطبيعة التفاعلات السياسية والدبلوماسية التي ستلي هذا التطور.

وهنا تبرز أهمية المرحلة المقبلة، إذ سيكون الرهان المغربي منصبا على تحويل هذا التحول إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية ملموسة، من خلال تعزيز الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي، وتوسيع دائرة الدول الداعمة لها، وترسيخ قناعة دولية بأن استمرار النزاع لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي ولا المصالح الاستراتيجية لشعوب المنطقة.

 

وفي المقابل، تكشف مواقف القوى الكبرى داخل مجلس الأمن أن قضية الصحراء المغربية تظل مرتبطة بتوازنات دولية معقدة، تتجاوز أحيانا الحسابات المرتبطة بطبيعة النزاع نفسه. فالفيتو الروسي، وما أثاره من تساؤلات حول خلفياته وأبعاده، يؤكد أن مجلس الأمن ليس فضاء تتحكم فيه الاعتبارات القانونية والسياسية وحدها، بل تحكمه أيضا مصالح الدول الكبرى وحساباتها الجيوسياسية.

 

ومن تم، فإن التحدي المطروح أمام الدبلوماسية المغربية يتمثل في مواصلة  سياسة تنويع الشراكات الدولية، والحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف القوى المؤثرة، وتجنب تحويل الخلافات الظرفية إلى قطيعة استراتيجية. فالدبلوماسية الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تحقق الإجماع في كل محطة، وإنما التي تستطيع إدارة الاختلافات، وتحييد مصادر الضغط، وبناء تحالفات مستدامة حول المصالح الوطنية العليا.

 

كما أن المرحلة الجديدة تستدعي الحفاظ على التوازن بين الحزم في الدفاع عن الوحدة الترابية والالتزام بالاستقرار الإقليمي واحترام وقف إطلاق النار. فالتحدي الحقيقي ليس في الانتقال من مرحلة دبلوماسية إلى أخرى فحسب، بل في ضمان أن يكون هذا الانتقال مدخلا لتسوية مستدامة، بعيدا عن أي تصعيد قد يعيد المنطقة إلى مناخ التوتر والمواجهة.

ولا ينبغي، في خضم هذه التحولات، اختزال قضية الصحراء المغربية في أبعادها الأممية والدبلوماسية فقط؛ إذ إن ترسيخ الوحدة الترابية يظل مرتبطا أيضا بتعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية، وتحسين الخدمات العمومية، وتوسيع فرص الاستثمار والشغل، وضمان مشاركة الساكنة في صناعة مستقبل المنطقة. فالمكاسب الدبلوماسية تكتسب قيمتها الاستراتيجية الحقيقية عندما تتحول إلى إنجازات تنموية ومؤسساتية ملموسة.

ومن زاوية أخرى ، فإن أي تحول في مسار قضية الصحراء المغربية ينبغي أن يفتح المجال أمام إعادة التفكير في مستقبل العلاقات المغاربية، التي ظلت رهينة التوترات السياسية والحسابات الإقليمية. فالمنطقة في حاجة إلى مناخ جديد يسمح بتجاوز منطق الصراع والاستنزاف، والانخراط في بناء فضاء مغاربي قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والتنموية المشتركة.

إن عدم تمديد ولاية المينورسو، وفق التطور المعلن بشأن قرار مجلس الأمن، لا يمثل مجرد محطة إجرائية عابرة، بل يطرح أسئلة استراتيجية حول مستقبل إدارة النزاع، وطبيعة الدور الأممي خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الأطراف المعنية على الانتقال من تدبير الخلاف إلى البحث عن تسوية واقعية.

وفي المحصلة، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في إنهاء مرحلة دامت خمسة وثلاثين عاما من الحضور الأممي، وإنما في كيفية تدبير ما بعدها. فنجاح المغرب في هذه المرحلة سيظل رهينا بقدرته على تحويل رصيده الدبلوماسي إلى واقع سياسي مستقر، وتوسيع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي.

إنها مرحلة جديدة في مسار قضية الصحراء المغربية، عنوانها الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن أفق الحل، ومن تراكم المواقف الدبلوماسية إلى اختبار قدرتها على إنتاج نتائج ملموسة. فالتاريخ لا يصنعه مجرد انتهاء مهمة أممية، وإنما تصنعه القدرة على بناء واقع سياسي مستدام يتجاوز أسباب النزاع ويؤسس لمستقبل أكثر استقرارا للمنطقة.

شاركها LinkedIn