“إطعام القطط والكلاب سيستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”… ليست هذه مجرد عبارة عاطفية يتم، حاليا، تداولها بقوة على منصات السوشيال ميديا”، بل إعلان صريح عن حقيقة اجتماعية لا يمكن لأي نص قانوني أن يتجاهلها أو يقفز فوقها. حقيقة مفادها ان المغاربة لا يتعاملون مع الحيوانات الضالة باعتبارها “ملفا إداريا”، بل باعتبارها كائنات حية تعيش بينهم و تثير فيهم حس التضامن دون أن تردعهم قوانين الزجر أو العقاب.
ومن هذا المنطلق، فالنقاش الذي رافق ويرافق مشروع القانون المتعلق بحماية الحيوانات كشف منذ البداية عن فجوة واضحة بين منطق المُشَرِّع ومنطق الشارع.
فبينما حاول النص في صيغته الأولى توسيع دائرة التجريم والزجر، اصطدم ذلك مباشرة مع سلوك اجتماعي راسخ: إطعام القطط والكلاب في الأزقة والفضاءات العامة، باعتباره فعلا إنسانيا لا يحتاج إلى تبرير قانوني.
لهذا لم يكن غريبا أن تتحول المادة 44 إلى نقطة توتر تحت قبة البرلمان، حين تم طرح تجريم إطعام أو إيواء أو علاج الحيوانات الضالة في الشارع.
لأن المسألة لم تكن فقط مجرد اشكالية تقنية أو قانونية، بل تحولت إلى سؤال أخلاقي: هل يصبح فعل الرحمة مخالفة يعاقب عليها القانون؟…هذا السؤال وحده كان كفيلا بإعادة ترتيب الكثير من المقتضيات داخل المشروع.
التعديلات التي خففت العقوبات، سواء عبر حذف الحبس أو تقليص الغرامات، لم تكن مجرد تنازل تشريعي، بل اعتراف ضمني بأن منسوب الزجر كان أعلى من قدرة المجتمع على الاستيعاب.
والقانون، مهما بلغت صرامته، لا يستطيع أن يعكس سلوكا اجتماعيا يعتبر فيه الناس أن إطعام كائن جائع في الشارع فعل طبيعي لا يحتاج ترخيصا.
في النهاية، قد تُكتب القوانين وتُراجع المواد وتُخفض الغرامات، لكن المشهد في الشارع سيبقى أقوى من كل ذلك.
القطط والكلاب ستظل تجد من يطعمها، ليس تحديا للمُشَرِّع، بل انسجاما مع منطق بسيط لا يتغير: الرحمة لا تُجَرَّم، وما دامت الرحمة تحلق فوق الشوارع، فإطعام الحيوانات سيستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.