Ads 160x600
Ads 160x600
الرئيسية / / افتتاحية / أغلبية 207... هل تكفي الأرقام لمنح الشرعية؟

أغلبية 207... هل تكفي الأرقام لمنح الشرعية؟

كيوسك أنفو 14 أكتوبر 2026 - 10:16 افتتاحية

إذا انطلقنا من فرضية أنه “في السياسة لا تأتي المصادفات دائما بلا دلالة”، فإنه يمكن القول أن التحالف الحكومي الجديد يحمل مفارقة تستحق التأمل: أربعة أحزاب و207 برلمانيين، وهو رقم يستدعي سيارة معروفة من طراز «Peugeot 207» أكثر مما يستدعي نقاشا سياسيا تقليديا.

 

غير أن المفارقة تتجاوز التلاعب بالأرقام؛ إنها تفتح باب السؤال عن العلاقة بين حجم الأغلبية وجودة أدائها. فامتلاك أغلبية مريحة يمنح الحكومة هامشا نسبيا للتحرك، لكنه لا يمنحها، في حد ذاته، ضمانة النجاح أو شهادة مسبقة على قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين.

 

فتعدد الأحزاب داخل التحالف ليس نقطة ضعف بالضرورة، لكنه يفرض كلفة سياسية وتنظيمية. لأن الأحزاب الأربعة لا تدخل بالضرورة إلى الحكومة بالتصورات نفسها، ولا تحمل الأولويات ذاتها، فلكل منها حساباته المرتبطة بموقعه داخل الأغلبية وبمستقبله الانتخابي.

 

حيث تكمن المسألة في قدرة التحالف على تحويل هذا التعدد إلى توافق حول برنامج قابل للتنفيذ، بدلا من اختزال الشراكة في توزيع المسؤوليات والمناصب. أمل الأغلبية العددية فإن كانت تحسم التصويت، فإنها لا تحسم وحدها الخلاف حول السياسات والاختيارات.

 

ومن هذه الزاوية، تبدو تسمية «الـ207» أكثر من نكتة عابرة، شريطة ألا تتحول إلى بديل عن النقد السياسي. فالرقم الذي يمنح الأغلبية هويتها الساخرة يضعها، في الوقت نفسه، أمام اختبار الفعالية: ماذا ستفعل بـ207 برلمانيا غير ضمان المرور التشريعي لقراراتها؟ وهل ستستخدم قوتها العددية لتسريع الإصلاحات، أم ستتحول هذه القوة إلى مظلة تحميها من ضغط المساءلة؟ إن الأغلبية الكبيرة قد تسهل اتخاذ القرار، لكنها تجعل التذرع بصعوبة التوافق أقل إقناعا، وترفع سقف المسؤولية عن النتائج.

 

أما المواطن، فلا يهمه كثيرا عدد مكونات التحالف ولا حجم تمثيله البرلماني بقدر ما تهمه حصيلة السياسات العمومية. فالقدرة الشرائية، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وفرص الشغل، وتقليص الفوارق الاجتماعية، هي المؤشرات التي ستحدد القيمة الفعلية لهذه الأغلبية.

 

وإذا لم تنعكس قوتها العددية على حياة الناس، فإن الرقم 207 سيتحول من مصدر للسخرية إلى عنوان لفجوة أعمق بين التمثيل السياسي والمردودية الحكومية. عندها لن يكون السؤال عن مدى انسجام الأحزاب، بل عن جدوى أغلبية تمتلك وسائل القرار ولا تحقق بالقدر المنتظر نتائجه.

 

في المحصلة، لا تكمن أهمية « الـ207» في التشابه بين رقم السيارة وعدد البرلمانيين، بل في المفارقة التي يكشفها: قد يكون امتلاك الأغلبية شرطا لتدبير الحكومة، لكنه ليس معيارا للحكم على نجاحها. فالأحزاب الأربعة مطالبة اليوم بإثبات أن تحالفها يتجاوز الضرورة الحسابية إلى الالتزام السياسي المشترك، وأن 207 برلمانيا تعني قدرة أكبر على الإنجاز، لا مجرد قدرة أكبر على تمرير القرارات.

 

وإلى أن تظهر الحصيلة، سيظل الاختبار الحقيقي خارج قبة البرلمان: في حياة المواطنين، وفي قدرتهم على لمس أثر السياسات الحكومية. فالسخرية تمنح الرقم شهرة عابرة، أما الأداء وحده فيمنحه معنى سياسيا.

شاركها LinkedIn