لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير العالم، بل إلى أي حد يمكن أن يتطور قبل أن نتمكن من فهمه والسيطرة عليه. فبينما تتسابق الشركات والدول على تطوير أنظمة أكثر ذكاء وقدرة، بدأت أصوات من داخل صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها تحذر من أن سرعة التطور قد تكون أسرع من قدرة البشر على وضع قواعد السلامة اللازمة.
ولتقريب الصورة أكثر، تخيل حاسوبا لا يكتفي بتنفيذ الأوامر التي تعطيها له، بل يستطيع أن يكتب البرامج بنفسه، ويبحث عن المعلومات، ويحل المشكلات، ويخطط، ثم يساعد في تطوير نسخة جديدة من نفسه أكثر قدرة من النسخة السابقة.
هنا تبدأ الفكرة التي تثير قلق بعض الباحثين: إذا كانت كل نسخة جديدة قادرة على المساعدة في صناعة نسخة أكثر ذكاء منها، فقد تتسارع عملية التطور بشكل كبير، من نموذج إلى آخر، ومن مستوى إلى مستوى أعلى، في وقت قد يحتاج فيه الإنسان إلى وقت أطول بكثير حتى يفهم ما الذي تغير وكيف يمكن التحكم فيه.
والأخطر أن الأمر لا يتعلق بضرورة أن يصبح الذكاء الاصطناعي “شريرا” أو أن يقرر فجأة مهاجمة البشر. السيناريو الأكثر إثارة للقلق هو أن يكون النظام شديد الذكاء، لكنه يفهم الهدف الذي أعطي له بطريقة مختلفة عما قصده الإنسان.
فلو طلبنا منه، مثلا، تحقيق هدف معين “بأكبر قدر ممكن”، فقد يبحث عن أكثر الطرق فعالية لتحقيقه، حتى لو كانت هذه الطرق لم تخطر أصلا في ذهن الشخص الذي صمم النظام. وكلما ارتفعت قدراته، أصبح من الصعب التنبؤ بكل ما يمكن أن يفعله للوصول إلى النتيجة المطلوبة.
وتزداد الخطورة إذا أصبح هذا النظام قادرا على استخدام الحواسيب والشبكات والأدوات الرقمية بشكل مستقل. ففي هذه الحالة، قد لا تعود المشكلة في ذكاء اصطناعي موجود داخل جهاز واحد، وإنما في نظام يستطيع تنفيذ عدد كبير من المهام في وقت واحد وبسرعة تفوق بكثير سرعة البشر.
ولا يتوقف الأمر عند هذا السيناريو المستقبلي. فالذكاء الاصطناعي يشكل بالفعل تحديات أخرى، من بينها إنتاج صور وفيديوهات وأصوات مزيفة يصعب أحيانا تمييزها عن الحقيقة، والمساعدة في الهجمات الإلكترونية، والتأثير في الرأي العام، فضلا عن دخوله المتزايد إلى سوق العمل والاقتصاد وحتى المجالات العسكرية.
لهذا بدأ النقاش يأخذ منحى جديدا: هل ينبغي أن نستمر في تطوير الذكاء الاصطناعي بأقصى سرعة ممكنة، أم علينا أن نمنح أنظمة السلامة والرقابة الوقت الكافي للحاق بهذا التطور؟
المفارقة أن التحذير يأتي هذه المرة من داخل القطاع نفسه، ومن مسؤولين يقودون شركات توجد في قلب سباق تطوير الذكاء الاصطناعي.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر رعبا هو: هل سيكره الذكاء الاصطناعي البشر؟
بل سؤال أبسط وأعمق: ماذا لو أصبح أكثر ذكاء وقدرة مما نتصور، بينما لم نعد نملك الوسيلة الكافية لإيقافه عندما نكتشف أنه يسير في الاتجاه الخطأ؟