تظل غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، محط اهتمام الولايات المتحدة منذ عقود، ويبدو أن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب أعادت تسليط الضوء عليها لأسباب استراتيجية وأمنية واقتصادية بامتياز.
فالموقع الجغرافي للجزيرة يجعلها قلب منطقة القطب الشمالي، حيث تشكل أقصر مسار محتمل للصواريخ بين روسيا والولايات المتحدة، ما يجعلها جزءا أساسيا من أي منظومة دفاع أمريكية مضادة للصواريخ.
تاريخيا، دخلت الولايات المتحدة غرينلاند منذ الحرب العالمية الثانية، بعد أن منحتها الدنمارك وقتها تفويضا لإنشاء قواعد عسكرية لحماية نصف الكرة الغربي.
طورغم بقاء قاعدة واحدة نشطة فقط، فإن الاتفاقيات المستمرة بين واشنطن وكوبنهاغن تسمح لأمريكا بالتحرك على الجزيرة مع الالتزام بإبلاغ السلطات الدنماركية، إلا أن ترامب اعتبر أن الدنمارك لم تعد قادرة على ضمان أمنها، ما يفتح الباب أمام التفكير الأمريكي في السيطرة المباشرة على الجزيرة.
من جهة أخرى، تتسم غرينلاند بأهمية اقتصادية متنامية، فهي تضم رواسب ضخمة من المعادن النادرة، وقد تتحول إلى محور استراتيجي حقيقي مع ذوبان الجليد القطبي وفتح طرق شحن جديدة، وهو ما يتقاطع مع المنافسة الدولية المتصاعدة في المنطقة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، مما يجعل أي تحرك أمريكي محتمل ذا بعد جيوسياسي حساس للغاية.
لكن الرغبة الأمريكية تصطدم بعقبات داخلية وخارجية، فأكثر من 85% من سكان غرينلاند يعارضون الانضمام للولايات المتحدة، فيما شدد الاتحاد الأوروبي وحلفاء واشنطن في أوروبا على أن الجزيرة ملك لشعبها وأن أي قرار بشأنها يجب أن يتم بالتوافق مع الدنمارك وغرينلاند، بما يحافظ على تماسك الناتو واستقرار الأمن في القطب الشمالي.
وبين هذا وذاك، يتضح أن رغبة ترامب في غرينلاند ليست وليدة اللحظة، بل هي استمرار لسياق طويل من الاهتمام الأمريكي بالموقع، سواء لأسباب دفاعية أو اقتصادية، رغم، أن العوائق القانونية والدبلوماسية والشعبية تجعل أي محاولة أمريكية للسيطرة المباشرة على الجزيرة محل جدل واسع، وليس سهلا كما قد راه الإدارة الحالية في واشنطن.
في المحصلة، يختزل اهتمام ترامب بغرينلاند صراعًدا أوسع بين الأمن القومي الأمريكي، الموارد الاقتصادية المستقبلية، والمنافسة الدولية على مناطق استراتيجية، في حين يبقى احترام سيادة الجزيرة ورغبات سكانها عاملا حاسما يوازن أي طموح أمريكي.