مؤشرات عديدة تلك التي تجعل المراقب لا ينظر بعين الاطمئنان إلى الأوضاع السياسية والحقوقية والاقتصادية في المغرب، أهمها:
– تفشي كبير لظاهرة الانتحار سيما في المناطق التي يسودها الفقر وتعاني من التهميش، ولا يمكن الارتكان إلى العوامل النفسية والدينية والاجتماعية لتفسير زيادة عدد المنتحرين، بل إن أي تفسير يستبعد الجوانب الاقتصادية سيبقى ضعيفا؛
– آلاف اليافعين الذين صدقوا “إشاعة” وتوجهوا عراة حفاة نحو سبتة، لم يبالوا بأنهم بصدد الهجرة من أرض حرة إلى أرض مستعمرة، ولم يهمهم الارتماء في أحضان المستعمِر، كل همهم هو الهروب من آفة الفقر حسب تصريحاتهم. عندما التأمل في وجهوههم وتصريحاتهم التي تنقلها وسائل الإعلام المختلفة، تخرج بخلاصة تعميمية مفادها: جلهم يعانون من ضيق الحياة، غالبا لم يكملوا دراستهم، تشعرك طريقة حديثهم بأنهم في وضع المكره على الهجرة لا المخيّر؛
– عودة ظاهرة اللجوء السياسي بقوة، حيث اضطر العديد من المواطنين إلى اللجوء السياسي في البلاد الأجنبية خوفا من الاعتقال والسجن، وجلهم كانوا مواطنين عاديين تقريبا لا تاريخ سياسي لهم، لكنهم فجأة وجدوا أن حرياتهم مهددة، فاختاروا اللجوء – رغم مرارته – على البقاء، ومنهم صحفيون وفنانون ومحامون…؛
– استعدادٌ للانتخابات بطعم الاحتجاجات والاعتقالات والمنع والقمع، عشرات الشباب في السجون بعضهم في السجن الاحتياطي (عمر الراضي، سلميان الريسوني…)، وبعضهم محكوم بعشرين سنة (نشطاء حراك الريف)، وبعضهم متابع في حالة سراح بعد إضراب عن الطعام أوشك على إهلاكهم (المعطي منجب)…إلخ؛
– آلاف الأساتذة في احتجاج مستمر منذ سنوات، في ظل معاناة متكررة، ومآسي منشورة على مواقع التواصل، مما يسهم في خلق أجواء غير مناسبة للعملية التعلمية، ويعصف بآمال آلاف الأساتذة الجدد، ويؤدي إلى إشاعة أجواء التذمر في صفوف التلاميذ أنفسهم، كيف لا وهم يشاهدون أساتذتهم يعانون من الضرب والرفس والإهانة…؛
ـ العديد من الجرائد أغلقت مقاولاتها، والعديد من الصحفيين في السجن أو اضطروا لتغيير مهنتهم، في ظل أزمة حقوقية تزداد شدتها يوما بعد يوم، وفي سياق أزمة اقتصادية تدفع المؤسسات الإعلامية إلى الإغلاق بعد مقاومة استمرت سنوات.
هي مؤشرات وغيرها كثير، تطرق باب تفكير حتى الأشخاص الأكثر تفاؤلا، وأكيد لن يتمكن حتى المدافعون عن سياسة الدولة من عدم استحضارها أثناء دراستهم للواقع المغربي، وتضمينها لتقاريرهم، لأنه من الصعب تغطية الشمس بغربال التجاهل والصمت، والاندفاع إلى الأمام، واتهام الغير بالإساءة للبلاد، بينما سياسات الدولة هي الأكثر إساءة للمواطن كما للوطن.
وإذا لم تُأخذ المؤشرات أعلاه ـ وغيرها – في الحسبان، فإنه من الصعب جدا الحديث عن إنجاح “التحول نحو الديمقراطية”، وترسيخ المبدأ الدستوري المتمثل في “الاختيار الديمقراطي”، وتشجيع الناس للمشاركة في الانتخابات، والثقة في المؤسسات السياسية…إلخ، سيما في ظل التبعات الاقتصادية التي ستخلفها الجائحة الوبائية وانعكاساتها النفسية على المواطنين.